حين ينهارُ المرسى .. وتغفو المرافئُ في العَمى


حين ينهارُ المرسى وتغفو المرافئُ في العَمى

تسري السفائنُ لا تُرى إلا صدى الألمِ

وتضيعُ بوصلةُ الأيامِ إن غاب الذي

كان الأمانُ بظلهِ والعدلُ في القِيمِ


حين ينهار المرسى، لا تغرق السفن فجأة، بل تتوه أولًا.

تظل عائمة على سطح الماء، لكنها بلا اتجاه، بلا نقطة عودة، وبلا وعد بالوصول. هكذا هي الكيانات حين تفقد مرساها: قد تبدو قائمة، إلا أن الداخل يتآكل بصمت.


المرسى ليس خشبًا يُغرس في قاع البحر، بل منظومة قيم، وعدالة إجراءات، ووضوح قرار. هو الثقة المتبادلة بين القائد ومن يقوده، وهو الإحساس بأن هناك من يمسك بالدفة حين تعصف الرياح. فإذا انهار هذا المرسى، تحولت القيادة إلى إدارة خوف، وتحول العمل إلى اجتهاد فردي بلا روح.


الانهيار لا يبدأ بضربة واحدة، بل بسلسلة تنازلات صغيرة:

تجاوز نظام هنا، وصمت عن خطأ هناك، وتبرير مصلحة آنية على حساب مبدأ ثابت. ومع الوقت، يصبح الخلل عادة، وتتحول الاستثناءات إلى قاعدة، ويُطلب من الجميع التكيّف بدل التصحيح.


وحين ينهار المرسى، تُختبر النفوس.

البعض يقفز بحثًا عن قارب نجاة، والبعض يتشبث بالحطام، وقلة فقط تحاول إعادة البناء، لأنها تؤمن أن المرافئ لا تُورث… بل تُصان.


أخطر ما في انهيار المرسى ليس الخسارة المادية، بل ضياع المعنى.

حين لا يعرف الناس لماذا يعملون، ولا لمن، ولا إلى أين، يصبح الإنجاز رقمًا بلا قيمة، والنجاح عنوانًا بلا مضمون.


إعادة بناء المرسى ممكنة، لكنها مؤلمة.

تحتاج شجاعة الاعتراف قبل شجاعة القرار، وتحتاج قادة يفهمون أن الهيبة لا تُصنع بالقوة، بل بالعدل، وأن الاستقرار لا يأتي من كثرة التعليمات، بل من وضوح البوصلة.


حين ينهار المرسى، لا نحتاج خطابًا مطمئنًا بقدر ما نحتاج فعلًا صادقًا.

فالمرسى الحقيقي لا يُرى… لكنه يُحَس.

وإذا شعر الناس بالأمان، عادت السفن، ولو بعد حين.


لا البحرُ يُنقذُ من هوى، لا الريحُ

إن خان رُبّانُها عهدَ الذي قُسِمِ

فالمرسى وعدٌ إن تصدّعَ مرةً

عاد الخرابُ ولو تزيّن بالحِكَمِ



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تاريخ عائلة ال جوهر

‎حي العيوني - سكنة عائلات قيادية

نبذة عن سيرة الشيخ سعد بن عبداللطيف العصيل