المشاركات

عرض المشاركات من ديسمبر, 2025

من زمن القيم إلى زمن المقارنات: صرخة في وجه الحاض

لم يكن الماضي جنةً كاملة، لكنه كان أكثر صدقًا. كانت العلاقات تُبنى على الحب، على العِشرة، على المواقف التي لا تُشترى. أما اليوم، فقد صار المال عملة المشاعر، وأصبحت العلاقات تُقاس بما تملك لا بما تكون. في الماضي، كان الناس يعملون من أجل العيش؛ يتعبون ليحافظوا على كرامتهم، ليؤمّنوا خبزهم، ليعودوا آخر النهار إلى بيوت تنتظرهم. أما اليوم، فقد انعكست المعادلة: الناس يعيشون من أجل العمل، يطاردون الوظائف، الساعات الإضافية، الأرقام… حتى تآكلت أعمارهم وهم يلهثون. في الماضي، كان الصدق قيمة عليا؛ كلمة الرجل عقد، ونظرة العين عهد. اليوم؟ المظاهر تسبق الجوهر، والصورة تسبق الحقيقة، وعدد المتابعين يعلو على نقاء النية. في الماضي، كانت الصحة أولوية؛ الجسد أمانة، والعافية كنز. أما اليوم، فقد أصبحت الثروة هي الهدف، حتى لو دُفعت من العمر، من الأعصاب، من القلب. في الماضي، كان الناس أكثر ارتباطًا بثقافتهم؛ يعرفون حكاياتهم، أمثالهم، أهازيجهم، ولهجاتهم. اليوم، تتلاشى الثقافة تحت ضغط التقليد، وتذوب الهوية في زحام النسخ المكررة. في الماضي، كانت الأسرة هي الملاذ؛ البيت يجمع، والدم يوحّد. اليوم، تُقدَّس الفردية، وي...

حرف العين… حين تتحول اللغة إلى سيرة حياة

  قراءة إنسانية في علاقة الحرف بالأسرة والقيم والمعنى في زحام الحروف وتنوّع أشكالها وأصواتها، يبرز حرف العين (ع) بوصفه حالة استثنائية، لا تُقرأ لغوياً فقط، بل تُعاش شعورياً. فالعين ليس رمزاً صوتياً عابراً، بل حرف ذو شكل يحتضن، وصوت يخرج من العمق، ومعنى يلامس الجوهر. ولدى كثيرين، يتجاوز هذا الحرف حدود الأبجدية ليصبح مرآة للعائلة والقيم والحياة. يبدأ هذا الارتباط من الأسرة، حيث تتجسّد العين في أسماءٍ شكّلت الوعي والوجدان. في اسم عبدالرحمن، الوالد، تحضر العين بوصفها عقلانية ورشداً ومسؤولية؛ عينٌ ترى قبل أن تُوجّه، وبصيرة تُعلّم دون صخب. ومن هذا الاسم تتشكل أولى الدروس: أن العقل ميزان، وأن العدل ممارسة يومية لا شعاراً مؤقتاً. ثم تأتي عرجانه، الأم، ليأخذ حرف العين بعداً أكثر دفئاً وإنسانية. هنا يصبح الحرف حضناً وصبراً ودعاءً طويلاً لا ينقطع. في اسمها تتجلى العافية بمعناها الشامل؛ صحة الروح قبل الجسد، وطمأنينة البيت قبل وفرة الأشياء. ومعها يتأكد أن العيش الحقيقي لا يُقاس بما نملك، بل بما نشعر به من أمان. وفي امتداد هذه السيرة، تحضر عائشة، الزوجة، ليكتمل المعنى. فالعين في اسمها حياة متجدد...

المشهد الثقافي لتراث الأحساء الحضاري قراءة صحفية في كتاب الدكتور فهد بن علي الحسين

صورة
  في زمن تتسابق فيه الأمم لإعادة قراءة ذاكرتها الثقافية وصياغتها بلغة العلم والمعرفة، يطل كتاب «المشهد الثقافي لتراث الأحساء الحضاري منذ الألفية السادسة حتى الألفية الأولى قبل الميلاد» للدكتور فهد بن علي الحسين، بوصفه عملاً توثيقياً رصيناً، يعيد الاعتبار لواحة الأحساء كإحدى أقدم الحواضن الحضارية في الجزيرة العربية. لا يكتفي الكتاب بسرد تاريخي تقليدي، بل يذهب أبعد من ذلك، ليقدّم قراءة علمية متكاملة للمشهد الثقافي الذي تشكّل عبر آلاف السنين، وأسهم في بناء هوية ثقافية عربية ضاربة في الجذور. الكتاب… مشروع علمي لسد فراغ ثقافي يتناول الكتاب بالدراسة والتحليل المشاهد الثقافية لتراث واحة الأحساء ومعالمها الحضارية خلال فترة زمنية تمتد من الألفية السادسة حتى الألفية الأولى قبل الميلاد، وهي مرحلة مفصلية شهدت تشكّل أنماط الاستقرار البشري الأولى وتفاعل الإنسان مع بيئته الطبيعية. ويؤكد المؤلف أن ثقافة الأحساء، عبر هذه الحقب، ظلت عربية في جوهرها، حافظت على سماتها الثقافية المستقلة، رغم تفاعلها المبكر مع حضارات عريقة وعمليات تثاقف خارجية، أسهمت في إثرائها دون أن تمحو خصوصيتها. وتبرز أهمية الكتاب ك...

رواية: أربعة أصدقاء… رحلة العمر

صورة
  الفصل الأول: جذور في المبرز في أزقة المبرز القديمة، حيث تختلط رائحة الطين بعد المطر بصوت الباعة ونداءات الصباح الأولى، كانت البدايات الأولى لحكاية لا تشبه غيرها. كان ذلك في عام 1405هـ، حين اجتمع أربعة صبية على مقاعد مدرسة سعد بن أبي وقاص، دون أن يدركوا أن تلك المقاعد الخشبية ستتحول إلى أول سطر في عمر طويل من الصداقة. لم تكن الأيام الأولى تحمل ما يوحي بأن هؤلاء الأربعة سيظلون معًا لعقود، لكن شيئًا غير مرئي كان ينسج بينهم خيطًا خفيًا من الألفة. زكي الجوهر (أبو عبدالرحمن) كان الأقرب إلى نبض المكان؛ يعرف تفاصيل الحي كما يعرف كف يده، يلتقط القصص من أفواه الكبار، ويعيد صياغتها كأنها حكايات تُروى لأول مرة. كان إذا تحدث، صمت الآخرون دون أن يشعروا. عبدالرؤوف الشمشير (أبو أحمد) كان يميل إلى الصمت أكثر من الكلام، لكنه حين يتحدث يختار كلماته بعناية، كأنه يزنها بميزان خفي. يرى ما لا يراه الآخرون: ظلّ شجرة قديم، انحناءة جدار، أو أثر خطوات على تراب شارع مهمل. مفرح الفرحان (أبو حمد) كان النغمة الخفيفة في هذه المجموعة، لا يكاد يدخل مكانًا إلا ويترك خلفه ضحكة. كان يحوّل أبسط المواقف إلى لحظات...