المشاركات

حين ينهارُ المرسى .. وتغفو المرافئُ في العَمى

حين ينهارُ المرسى وتغفو المرافئُ في العَمى تسري السفائنُ لا تُرى إلا صدى الألمِ وتضيعُ بوصلةُ الأيامِ إن غاب الذي كان الأمانُ بظلهِ والعدلُ في القِيمِ حين ينهار المرسى، لا تغرق السفن فجأة، بل تتوه أولًا. تظل عائمة على سطح الماء، لكنها بلا اتجاه، بلا نقطة عودة، وبلا وعد بالوصول. هكذا هي الكيانات حين تفقد مرساها: قد تبدو قائمة، إلا أن الداخل يتآكل بصمت. المرسى ليس خشبًا يُغرس في قاع البحر، بل منظومة قيم، وعدالة إجراءات، ووضوح قرار. هو الثقة المتبادلة بين القائد ومن يقوده، وهو الإحساس بأن هناك من يمسك بالدفة حين تعصف الرياح. فإذا انهار هذا المرسى، تحولت القيادة إلى إدارة خوف، وتحول العمل إلى اجتهاد فردي بلا روح. الانهيار لا يبدأ بضربة واحدة، بل بسلسلة تنازلات صغيرة: تجاوز نظام هنا، وصمت عن خطأ هناك، وتبرير مصلحة آنية على حساب مبدأ ثابت. ومع الوقت، يصبح الخلل عادة، وتتحول الاستثناءات إلى قاعدة، ويُطلب من الجميع التكيّف بدل التصحيح. وحين ينهار المرسى، تُختبر النفوس. البعض يقفز بحثًا عن قارب نجاة، والبعض يتشبث بالحطام، وقلة فقط تحاول إعادة البناء، لأنها تؤمن أن المرافئ لا تُورث… بل تُص...

وثيقة تعيين الشيخ محمد صالح بن جوهر: إضاءة على التاريخ العلمي والأوقاف في الأحساء

تمثل الوثائق الوقفية والشرعية نافذة حقيقية لفهم الهيكل الاجتماعي والتنظيمي للمدن الإسلامية القديمة. وفي هذه الوثيقة التي يعود أصل ترتيباتها إلى عام 1143 هـ وتم إقرارها وتجديدها في 1147 هـ، نجد تفصيلاً دقيقاً لآلية إسناد المهام الدينية وتدبير الموارد المالية في منطقة الأحساء "المحروسة". نص الوثيقة الشرعية لتعيين الشيخ محمد صالح بن جوهر "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على أكرم خلقه أجمعين وعلى آله وصحبه والتابعين. أما بعــــد، فقد نصب خادم الشرع الشريف المرسوم اسمه بأعلاه هذه الورقة صكاً شرعياً يحرره، ووفقه المكرم الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين بن جبر، إماماً وخطيباً في سدنة المسجد المعمور بـ جامع ابن جبر الواقع بنفح من أعمال الأحساء المحروسة، بأن يؤم المصلين بحق الأوقاف في سائر السنة، ومنها شهر رمضان المعظم. وعليه الإمامة في صلاة التراويح والإمامة في الجمعة أيضاً، وعليه مواظبة القيام بشروط عليه تقيد في أوقاتها، ومراعاة صاحب مراعاته في سدها، وله في مقابلة ذلك ما عُين لوظيفة الإمامة، وله توسعة من العيش الذي للأئمة بنحو هذا، ثم دفع...

رحلة صالح بن جوهر… التاجر العصامي بين المبرز والزمن

صورة
الملك عبدالعزيز مع عبداللطيف باشا المنديل  أمام قصر المنديل بالزبير لم يكن الارتحال في تاريخ مجتمعاتنا فعلًا عابرًا، ولا حركةً وقتيةً تفرضها الظروف ثم تنقضي آثارها، بل كان – في كثير من حالاته – فعلًا تأسيسيًا يُعاد من خلاله تشكيل علاقة الإنسان بالمكان، واختبار القيم في واقع مختلف. فالرحلة لا تنقل الأجساد وحدها، بل تُعيد ترتيب الأولويات، وتُمتحن فيها المبادئ، ويتجدّد فيها معنى الانتماء، فيتشكّل وعيٌ جديد يصل بين الذاكرة والمستقبل دون أن يقطع الجذور. والزبير مدينةٌ تقع في محافظة البصرة جنوب العراق، عُرفت بزراعة النخيل، ويرتبط اسمها بالصحابي الزبير بن العوام رضي الله عنه، ويُرجَّح أنه دُفن فيها سنة 38هـ (658م). وقد ذاع صيتها في القرون المتأخرة حين استقر فيها عدد كبير من المهاجرين من نجد والأحساء، في فترات شهدت فيها نجد أوبئةً وقحطًا وضيقًا اقتصاديًا، فكانت الزبير موئلًا للاستقرار والعمل، وسكنتها أسر وقبائل عربية أصيلة، ظل معظمها محافظًا على مذهبه السني ولهجته وعاداته. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة رحلة صالح بن جوهر، ورحلة أهل الزبير عمومًا، لا بوصفها انتقالًا مكانيًا مجردًا، بل بوصفها ت...

من زمن القيم إلى زمن المقارنات: صرخة في وجه الحاض

لم يكن الماضي جنةً كاملة، لكنه كان أكثر صدقًا. كانت العلاقات تُبنى على الحب، على العِشرة، على المواقف التي لا تُشترى. أما اليوم، فقد صار المال عملة المشاعر، وأصبحت العلاقات تُقاس بما تملك لا بما تكون. في الماضي، كان الناس يعملون من أجل العيش؛ يتعبون ليحافظوا على كرامتهم، ليؤمّنوا خبزهم، ليعودوا آخر النهار إلى بيوت تنتظرهم. أما اليوم، فقد انعكست المعادلة: الناس يعيشون من أجل العمل، يطاردون الوظائف، الساعات الإضافية، الأرقام… حتى تآكلت أعمارهم وهم يلهثون. في الماضي، كان الصدق قيمة عليا؛ كلمة الرجل عقد، ونظرة العين عهد. اليوم؟ المظاهر تسبق الجوهر، والصورة تسبق الحقيقة، وعدد المتابعين يعلو على نقاء النية. في الماضي، كانت الصحة أولوية؛ الجسد أمانة، والعافية كنز. أما اليوم، فقد أصبحت الثروة هي الهدف، حتى لو دُفعت من العمر، من الأعصاب، من القلب. في الماضي، كان الناس أكثر ارتباطًا بثقافتهم؛ يعرفون حكاياتهم، أمثالهم، أهازيجهم، ولهجاتهم. اليوم، تتلاشى الثقافة تحت ضغط التقليد، وتذوب الهوية في زحام النسخ المكررة. في الماضي، كانت الأسرة هي الملاذ؛ البيت يجمع، والدم يوحّد. اليوم، تُقدَّس الفردية، وي...

حرف العين… حين تتحول اللغة إلى سيرة حياة

  قراءة إنسانية في علاقة الحرف بالأسرة والقيم والمعنى في زحام الحروف وتنوّع أشكالها وأصواتها، يبرز حرف العين (ع) بوصفه حالة استثنائية، لا تُقرأ لغوياً فقط، بل تُعاش شعورياً. فالعين ليس رمزاً صوتياً عابراً، بل حرف ذو شكل يحتضن، وصوت يخرج من العمق، ومعنى يلامس الجوهر. ولدى كثيرين، يتجاوز هذا الحرف حدود الأبجدية ليصبح مرآة للعائلة والقيم والحياة. يبدأ هذا الارتباط من الأسرة، حيث تتجسّد العين في أسماءٍ شكّلت الوعي والوجدان. في اسم عبدالرحمن، الوالد، تحضر العين بوصفها عقلانية ورشداً ومسؤولية؛ عينٌ ترى قبل أن تُوجّه، وبصيرة تُعلّم دون صخب. ومن هذا الاسم تتشكل أولى الدروس: أن العقل ميزان، وأن العدل ممارسة يومية لا شعاراً مؤقتاً. ثم تأتي عرجانه، الأم، ليأخذ حرف العين بعداً أكثر دفئاً وإنسانية. هنا يصبح الحرف حضناً وصبراً ودعاءً طويلاً لا ينقطع. في اسمها تتجلى العافية بمعناها الشامل؛ صحة الروح قبل الجسد، وطمأنينة البيت قبل وفرة الأشياء. ومعها يتأكد أن العيش الحقيقي لا يُقاس بما نملك، بل بما نشعر به من أمان. وفي امتداد هذه السيرة، تحضر عائشة، الزوجة، ليكتمل المعنى. فالعين في اسمها حياة متجدد...